اسماعيل بن محمد القونوي
150
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف ) ولا يجوز أن يكون خبرا ثانيا ( وابن مريم صفته ) فلا إشكال أصلا ولو قدم هذا الوجه بل لو اكتفى به لكان أسلم من التمحل المذكور قيل إذا كان عيسى خبرا من اسمه يكون المراد لفظه عيسى ولفظه لا يوصف بابن مريم ( وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيها على أنه يولد من غير أب ) . قوله : ( إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب ) توضيحه أنه لا ينسب الولد إلى الأم إلا إذا فقد الأب فبنسبته إلى عيسى عليه السّلام إلى أمه حصل التنبيه المذكور فلو قيل ابنك لم يفهم هذا المعنى وهذا التنبيه قبل ولادة عيسى عليه السّلام فلذا قال للتنبيه على أنه يولد أي سيولد من غير أب فح التوجيه الذي ذكره في قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ [ آل عمران : 47 ] من أنه استفهام على أنه بتزوج أو غيره ليس في موقعه والقول بأن مريم لم تنبه بهذا التنبيه بعد . قوله : ( حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيرها للمعنى والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة ) لأنه عليه السّلام لم يولد بعد فضلا عن حصول الوجاهة له وتذكيرها للمعنى « 1 » لأن المراد بالكلمة عيسى عليه السّلام النبوة وهي وإن حصلت له في المهد على قول لكنها لم يحصل له قبل الولادة ( ومن قوله : حال مقدرة أي مقدرا وجاهة وإنما جعله حالا مقدرة لأن الوجاهة لم تكن حاصلة له وقت البشارة بل مقدر حصولها فهو كقولك جاء زيد صقر صائدا به غدا . قوله : لكنها نكرة موصوفة أي موصوفة بجملة اسمية وهي قوله اسمه المسيح عيسى ابن مريم وكذا موصوفة بقوله منه سواء جعل منه حالا أو صفة كافية منه والحال مقيدة لذي الحال ومخصصة له أيضا في ضمن تقيدها للعامل . قوله : والوجاهة في الدنيا النبوة الخ قال الإمام معنى التوجيه ذو الجاه والشرف والقدر يقال وجه فلان يوجه وجاهة وهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان وقال بعض أهل اللغة الوجية الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال ثم قال الإمام واعلم أن اللّه تعالى وصف موسى بأنه كان وجيها قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [ الأحزاب : 69 ] وأما عيسى عليه السّلام فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجيب دعاءه ويحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص بسبب دعاءه ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعة فيهم كما يقبل شفاعته آكابر الأنبياء وقيل إنه وجيه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفته اليهود بها ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند اللّه تعالى ثم قال فإن قيل كيف كان وجيها في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه قلنا قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه وآرذوه إلى أن برأه اللّه مما قالوا وذلك لم يعتد ح في وجاهة موسى عليه السّلام فكذا ههنا .
--> ( 1 ) رعاية لجانب المعنى لأنه مقصود واللفظ للعبود إليه وقيل احترازا عن توهم كونه أنثى وهذا بعد ذكر المسيح وعيسى الخ لا يخطر هذا التوهم بالبال أصلا .